الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
464
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الإشارة إليها في الآيات السابقة - بل إنهم كانوا يساهمون في إشاعة تلك الأخبار وإذاعتها بشكل أوسع ، نظرا لكل ذلك فقد خاطب القرآن الكريم الرسول بأن يشدد على المنافقين والكافرين ويغلظ عليهم . حيث يقول : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير . الجهاد ضد الكفار قد يكون مسلحا أو غير مسلح ، أما الجهاد ضد المنافقين فإنه بدون شك جهاد غير مسلح ، لأن التاريخ لم يحدثنا أبدا عن أن الرسول خاض مرة معركة مسلحة ضد المنافقين . لهذا ورد في الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " إن رسول الله لم يقاتل منافقا قط إنما يتألفهم " ( 1 ) . وبناء على ذلك فإن المراد من الجهاد ضد المنافقين إنما هو توبيخهم وإنذارهم وتحذيرهم ، بل وتهديدهم وفضحهم ، أو تأليف قلوبهم في بعض الأحيان . فللجهاد معنى واسع يشمل جميع ذلك . والتعبير ب " أغلظ عليهم " إشارة إلى معاملتهم بخشونة وفضحهم وتهديدهم ، وما إلى ذلك . ويبقى هذا التعامل الخاص مع المنافقين ، أي عدم الصدام المسلح معهم ، ما داموا لم يحملوا السلاح ضد الإسلام وذلك بسبب أنهم مسلمون في الظاهر ، وتربطهم بالمسلمين روابط كثيرة لا يمكن معها محاربتهم كالكفار ، أما إذا حملوا السلاح فيجب أن يقابلوا بالمثل ، لأنهم سوف يتحولون إلى ( محاربين ) . ولم يحدث مثل ذلك أيام حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكنه حدث في خلافة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) حيث خاض ضدهم معركة مسلحة . وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود من " الجهاد ضد المنافقين " الذي ورد ذكره في الآية السابقة هو إجراء الحدود الشرعية بحقهم ، فإن أكثر الذين كانوا تجرى عليهم الحدود هم من المنافقين . ولكن لا دليل على ذلك ، كما لا دليل على
--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 331 .